نبذة تاريخية
الأصول. يعتقد العلماء أنّ أنواع النباتات البرية ذات الصلة بالقمح قد نشأت أولاً في الشرق الأوسط. فأنواع القمح البرية الثنائية الحبة، وبعض الحشائش البرية قد نشأت في هذه المنطقة، وهي أسلاف جميع أنواع القمح المزروع. ومن المحتمل أنّ الناس في البداية قد قاموا بجمع الحبوب ومضغها، وبمضي الوقت، تعلموا تحميصها على النّار، وجرشها وغليها لعمل العصيدة. وقد نتج عن قَليْ هذه العصيدة خُبز مفرود، يشبه الفطائر المحلاة. ويُحتمل أن يكون الناس قد اكتشفوا كيفية عمل الخبز المخمر بعد أن اختلطت بعض العصيدة بالخميرة.
وقد كان القمح من أوائل النباتات التي زُرعت. ويعتقد العلماء أن المزارعين زرعوا القمح لأول مرة منذ حوالي 11000 عام مضت، حيث وَجد علماء الآثار في الشّرق الأوسط بقايا حبوب قمح يرجع زمنها إلى حوالي 9000ق.م. عند موقع قرية جارما قرب دمشق في سوريا.
كما أنهم وجدوا كذلك معزقات من العظام، ومناجل من الصوان، ومعدات طحن حجرية ربما تكون قد استعملت لزراعة وحصاد وجرش الحبوب.
أدت زراعة القمح والمحاصيل الأخرى إلى تغيرات هائلة في حياة الناس الذين أصبحوا غير مضطرين إلى التجول الدائم بحثًا عن الغذاء. وأصبحت الفلاحة توفر مصدرًا للغذاء أيسر، ويُعوّل عليه بدرجة أكبر، كما مكنت الناس من إنشاء مستوطنات دائمة. وباتساع إنتاج القمح، تحرر أناس كثيرون من إنتاج الغذاء واستطاعوا إتقان مهارات أخرى. ومع تحسن طرق الزراعة والتجهيز، زرع الناس في بعض المناطق ما يكفي من الحبوب لغذاء أناس آخرين.
وبهذه الطريقة، تطورت التجارة، وحلّت مدن مزدهرة محل قرى ضئيلة. وقد ساعدت هذه التغيرات في إمكانية تطور الحضارات العظمى القديمة.
انتشار زراعة القمح. كانت زراعة القمح قد انتشرت فى أنحاء كثيرة من آسيا وأوروبا وشمال إفريقيا منذ عام 4000ق.م. وقد تطوّرت أنواع قمح جديدة تدريجياً نتيجة التلقيح العشوائي بين القمح المزروع والحشائش البرية. ولما كانت لبعض أنواع القمح الجديدة صفات فَضَّلها المزارعون، فقد بدأت هذه الأنواع تحلّ محلّ الأصناف القديمة. كما زُرعت الأصناف ثنائية الحبة وأحادية الحبة على نطاق واسع إلى أن ظهر القمح القاسي (الصلد) في القرن السادس قبل الميلاد. ولقد تطور كلٌّ من القمح العادي والقمح الصولجاني في القرن السادس الميلادي.
انتقل القمح إلى الأمريكتين بوساطة المكتشفين والمستوطنين من دول أوروبية عديدة. وفي عام 1493م، أدخل كريستوفر كولمبوس القمح إلى العالم الجديد في رحلته الثانية إلى جزر الهند الغربية، ثم انتقل القمح من أسبانيا إلى المكسيك عام 1519م، وإلى الأرجنتين بحلول عام 1527م، كما حمل المنصِّرون الأسبان معهم فيما بعد قمحًا إلى جنوب غربي الولايات المتحدة. كذلك بدأ المستوطنون الفرنسيون في كندا زراعة القمح في نوفا سكوتيا عام 1605م.
أعطى إدخال القمح الشتوي إلى الولايات المتحدة دفعة كبرى في تصنيع منتجات القمح. وفي السبعينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، هاجر أعضاء طائفة دينية تسمى المانونيت من روسيا إلى كنساس، وحملوا معهم صنفًا من القمح الشتوي يسمى التركي الأحمركان ملائمًا أشد الملاءمة للأمطار القليلة التي تسقط على السهول العظمى. وفي زمن قصير زرع الصنف التركي الأحمر والأصناف التي اشتُقَّت منه في جميع حقول القمح تقريبًا في كنساس والولايات القريبة منها. وتعود أصناف كثيرة من القمح التي تزرع في الوقت الرّاهن بالولايات المتحدة إلى الصنف التركي الأحمر.
ميكنة زراعة القمح. منذ بدايات الزراعة وحتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي كان هناك قليل من التغيير في الأدوات المستعملة لزراعة القمح. وعلى مدى آلاف السنين، حصد المزارعون القمح يدوياً بالمنجَل أو المحَش. وكانت السيقان وقتئذ تربط في حزم وتُجمع في أكوام انتظارًا للدّراس.
كانت الماشية تدرس السنابل أو يضربها المزارعون بعصا معقوفة يطلق عليها مِدَق الدِّراس. وبعد فصل الحب عن السنابل، كان القمح يُقذف في الهواء فينفصل التبن بعيدًا تاركًا الحبوب. وتُسمى هذه العملية التَّذْريَة، وهي لا تزال مستعملة في
المزيد